تاريخ الجامعة الأردنية
 
 
 

احتفلت الجامعة الأردنية العام (1987) بالذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها، فقد شرّعت أبوابها لتستقبل أول كوكبة من الطلبة في الخامس عشر من شهر كانون الأول من عام ألف وتسعمائة واثنين وستين، وظلت منذ ذلك اليوم، تعمق جذورها في الأرض، وتمد فروعها وأغصانها شرايين حياة، تتدفق عطاء في مؤسسات الأردن المختلفة، وترفد الوطن العربي بالمؤهلين المتميزين القادرين على البذل والعطاء.

واحتفال الجامعة بعيدها الفضي، إنما هو احتفال بالانجازات الكثيرة التي حققتها على مدى السنوات السابقة، في مختلف المجالات، فهو احتفال بعشرات الآلاف من أبناء الوطن، الذين احتضنتهم، ورعتهم واعتنت بهم، وأعدّتهم الإعداد المناسب، وهيأت لهم أسباب النجاح، ثم انطلقوا يخوضون غمار الحياة والثقة تملأ نفوسهم، فحققوا النجاح تلو النجاح، وأثروا جميع الميادين. واحتفال بالخدمة الواسعة التي قدمتها للمجتمع، حيث أنها حرصت منذ البداية على مد الجسور المتينة بينها وبين المجتمع المحلي، وساهمت في حل كثير من مشاكله، ومهدت أمامه سبل التطور والتقدم ومواكبة العصر.

والجامعة الأردنية هذا الصرح العلمي الشامخ، الذي كان تجربة أردنية فريدة، خاضها المخلصون من أبناء الوطن، وبذلوا في سبيل إنجاحها الكد والتعب والجهد والسهر، حتى أصبحت على ما هي عليه اليوم، منارة تهوى إليها أفئدة الطلبة، ومحط آمال يسعى إليه الراغبون في المعرفة، وتحج إليه أمنيات الشباب المثقف من أبناء الوطن العربي وغيره، وضوءاً ساطعا يجتذب أنظار العالم. هذا الصرح، لم يكن نتيجة صدفة، ولا وليد فراغ، كنا أنه لم يكن لونا من ألوان الترف، وإنما دعت إلى إنشائه الحاجة الملحة، التي فرضها إقبال أبناء الأردن على طلب العلم. وقد بدأت هذه الجامعة في أوائل الخمسينات من هذا القرن فكرة متواضعة تعثرت محاولات إخراجها إلى حيز التنفيذ أكثر من مرة، إذ أنها كانت تصطدم بعقبات متفرعة، من أهمها شح الإمكانات المادية. إلا أن الفكرة لم تمت، واستمرت محاولات تنفيذها دون كلل أو ملل طوال عشر سنين، لم يجد اليأس خلالها طريقا إلى أولئك المخلصين الذين آمنوا بها، وأصروا بعزمات الرجال على تحقيقها، فظلت حية في نفوسهم، حتى حظيت باهتمام الحسين، الذي تميز – إلى جانب ما تميز به من صفات القائد الواعد-بتفكير رزين صائب، وبصيرة نيرة نفاذة، ونظرة ثاقبة، وإدراك واع لما سيكون.

 فقد تبنى صاحب الجلالة الهاشمية الحسين بن طلال، الرائد الذي لم يكذب أهله يوماً فكرة إنشاء الجامعة، وسيرها بتوجيهاته السامية في الاتجاه الصحيح، وانتقى لتنفيذها رجالاً آثروا التعب وسهر الليالي على الراحة والاستسلام، وذلل ما يعترض طريقها من عقبات. وبذلك أصبحت الفكرة قابلة للتنفيذ، وشيدت الجامعة الأردنية لبنة لبنة حتى أصبحت على ما هي عليه. مزهوة بما أنجزت، فخورة بما حققت، ترتدي العز، المنسوج من صدق انتمائها لمجتمعها وتتحلى بالاعتزاز المجدول من محبة مجتمعها لها. فكيف بدأت فكرة إنشاء الجامعة؟، وكيف أنشئت ومتى؟ وكيف تطورت ونمت؟ وما الذي حققته من إنجازات؟ وما هي الأهداف التي بلغتها؟ أسئلة كثيرة تدور في خلد المواطن أيا كان، إذا أتاحت له ظروف فرصة زيارة الحرم الجامعي، والتنقل بين أرجائه الواسعة الجميلة، والانتقال بين كلياتها الأربع عشرة، ومراكزها العشرة، والخلود ساعة إلى مسجدها الكبير، والتوقف برهة أمام مستشفاها الرائع.. والمرور عبر شوارعها وممراتها المحفوفة بأشجار السرو والصنوبر.. والجلوس على مقعد من مقاعدها المتناثرة بين الورود والأزهار.. أو الاسترخاء على مسطح أخضر من مسطحاتها اليانعة التي تحضنها شمس الربيع.. وظلال الصيف، أو ملاحظة طلبتها وهم يتنقلون بين كلية وكلية، وبين مطعم وساحة.. أسئلة كثيرة تدور في خلد الزائر، وتلتقي إجاباتها لتشكل قصة متسلسلة الأحداث.. رائعة المعاني.. عميقة الأهداف، دقيقة المغزى. وتبدأ القصة عام 1953 حيث بلغ عدد المدارس في الأردن حوالي ألف مدرسة يتلقى التعليم فيها نحو مائتي ألف طالب، وذا العدد من الطلبة والمدارس يجتاح إلى عدد مناسب من المعلمين المؤهلين، وتطور الأردن المتسارع في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وإنشاء الشركات والمؤسسات والهيئات المختلفة.. كل ذلك يحتاج إلى أطر مؤهلة أيضاً، فأين يتم تأهيل هؤلاء؟

أن دور المعلمين والمعلمات التي أنشئت حتى ذلك التاريخ لم تكن قادرة على تخريج الأعداد المطلوبة بالمستوى المطلوب للخدمة في كافة القطاعات، وإرسال الأبناء إلى الخارج من أجل الحصول على الدرجات الجامعية يثقل كاهل الآباء وبالتالي يثقل كاهل الدولة المحدودة الموارد.. فلماذا إذن لا تنشأ جامعة في الأردن؟.. سؤال طرحه المواطنون، وبدأوا يقدمون العريضة تلو الأخرى.. ويلحون في الطلب، ويحاولون تهوين الأمر وتيسيره باستعدادهم للمساهمة في إنشاء الجامعة إذا كانت الإمكانات غير متوافرة لدى الدولة لإنشائها. وأمام هذه المطالب يبدأ مجلس التعليم العالي الذي تم تأليفه عام 1952 بالتفكير جدياً في إنشاء جامعة في البلاد، ويدعو عدداً من المختصين في الجامعات العربية للاسترشاد بآرائهم حول الموضوع الذي تحول الصعوبات المالية دون الاستمرار به.

وفي عام 1955 يتفق المهتمون بإنشاء الجامعة على تأسيس جمعية خيرية تتولى توفير المال اللازم لإنشائها، غير أن هذه الجمعية رغم الجهود الذي بذلتها لم تستطع تحقيق غاياتها فتتوقف. وفي أواخر عام 1961 تزور لجنة عسكرية بريطانية قيادة القوات المسلحة الأردنية وتسأل عن حاجات الأردن من السلاح، وكانت تلك اللجنة تتوقع أن يقدم قائد الجيش قائمة بالأسلحة والذخائر التقليدية التي يحتاجها، غير أن اللجنة فوجئت عندما تلقت الجواب، وهو أن الأردن بحاجة إلى سلاح من نوع آخر.. سلاح العلم الذي يصنع السلاح والرجال، ويبني الأجيال، ويكون المستقبل الزاهر.. أنه بحاجة إلى جامعة تحتضن أبناء الوطن وتخرجهم للخدمة في مختلف ميادينه ويسفر اللقاء عن استقدام وفد بريطاني يمثل عددا من الجامعات العريقة في بريطانيا.. ويدرس الوفد حاجات الأردن، ويوصي بإنشاء جامعة أردنية. ------ وفي ضوء هذه التوصية، والإرهاصات الكثيرة السابقة يوجه صاحب الجلالة الهاشمية الملك الحسين في 12/2/1962 رسالة إلى رئيس وزرائه يأمره فيها بتشكيل لجنة تسمى (اللجنة الملكية لشؤون التربية) تكون مهمتها الأولى تقديم التواصي حول تأسيس جامعة أردنية.. وتشكل اللجنة، وتسارع إلى القيام بواجباتها، فتدرس الموضوع من جميع جوانبه، وتوصي في 18/8/1962 بإنشاء الجامعة وفي تلك الأثناء يصدر نظام سياسة التعليم العالي، الذي ينص على ضرورة بذل الجهود الحكومية والخاصة لإنشاء جامعة أردنية تلبي حاجات التعليم المتزايدة. وهكذا تذلل العقبات، وتتكاتف الجهود، وتصل إلى مبتغاها، ويصدر صاحب الجلالة إرادته السامية في 2/9/1962 بتأسيس الجامعة الأردنية، وبالموافقة على أول قانون لها، وفي 5/9/1972 بتعيين أول مجلس أمناء.

وتبدأ الاستعدادات المكثفة لتجسيد الجامعة واقعاً ملموساً.. وفي 15/12/1962 تفتح كلية الآداب.. لتستقبل مائة وسبعة وستين طالباً يجلسون على مقاعد الدراسة، ويتلقون تعليمهم الجامعي في بلدهم. وتبدأ المسيرة خطوة خطوة.. ولكنها خطوات واثقة ثابتة.. ويبدأ العمل في مختلف المجالات من أجل توسيع الجامعة، لتكون قادرة على توفير الخريجين في مختلف التخصصات، فتفتح عام 1965 كليتين هما الاقتصاد والتجارة والعلوم..

وفي 19/4/1965 يشرف جلالة الملك حفل الافتتاح الرسمي للجامعة بحضوره السامي، ويلقي كلمة يعرب فيها عن أملة في أن تكبر الجامعة وتنمو إلى جانب شقيقاتها، لتنشط عملية الخلق الخيرة فيها كلها وتتزايد. وتبقى الجامعة بثلاث كليات فقط حتى عام 1971، حيث تضاف إليها كلية رابعة هي كلية الشريعة، وفي عقد السبعينات تنشط عملية البناء والتوسع، فتنشأ كليات الطب والتمريض والزراعة والتربية والهندسة والحقوق والتربية الرياضية، ولا تبقى غير كليات محدودة لتستكمل الجامعة بنيتها الأكاديمية، فتواصل عملية التوسع في عقد الثمانينات، وتنشى في الأعوام الماضية منه كليات الصيدلة، وطب الأسنان والدراسات العليا.

و يصاحب التطور الكمي للكليات و بالتالي التطور الكمي للطلبة.. تطور كيفي..فقد حرصت الجامعة منذ البداية على أن تكون برامجها التعليمية من مستوى عالٍ, ولذالك وضعت هذه البرامج وفق أسس مدروسة, تتناول شخصية الطالب من جميع جوانبها العلمية و الثقافية و الاجتماعية.. و هذا الحرص جعل الجامعة تعيد النظر في خططها و برامجها الدراسية و نظامها التدريسي كلما رأت ذلك ضرورياً.. و أكثر تلبية لحاجة الطالب و المجتمع على حد سواء. فبدأت بمرحلة البكالوريوس و النظام السنوي.. ثم انتقلت إلى إضافة مراحل جديدة هي الماجستير فالدبلوم فالدكتوراه..كما انتقلت من النظام التدريسي السنوي, إلى نظام الساعات المعتمدة الذي يتيح للطالب فرصة التخرج في مدة أقل, كما يتيح له التزود بمعارف مختلفة تكون لديه شخصية ثقافية تتميز بسعة الاطلاع.

و يرافق التطور في إنشاء الكليات والعمادات, تطور في إنشاء العمادات المتخصصة, للإشراف على الجوانب المختلفة, للجامعة و متابعتها و تطويرها, فتنشئ عام 1973 عمادة للبحث العلمي تتولى رسم السياسة العامة للبحث العلمي في الجامعة ووسائل تنفيذها وكما تتولى تشجيع البحث العلمي و تنسيقه و دعمه و متابعته و تقويمه و نشره. و تنشئ عام 1973 أيضاً عمادة لشؤون الطلبة تهتم بالجوانب غير الأكاديمية من حياة الطالب, فترعى مواهبه الرياضية و الثقافية و الفنية و تصقلها , و تؤمن له ما يحتاجه من خدمات. وتنشئ عام 1983 عمادة للدراسات الصيفية و الخاصة تتولى تجسيد فلسفة الجامعة القائمة على مفاهيم الحرية و التفاعل و المشاركة بين طلبة الجامعة و طلبة الجامعات الأخرى العربية منها و الأجنبية. ويرافق التطور في إنشاء الكليات و العمادات تطور آخر تستكمل الجامعة به بنيتها كمؤسسة تعليمية رائدة لا تنحصر مهمتها في التعليم و البحث العلمي فحسب, و إنما تسعى إلى خدمة المجتمع بجميع الطرق و الأساليب المتاحة..لأنها وهي تمثل موقع الريادة و القيادة, لابد لها من المشاركة في توجيه هذا المجتمع الوجهة الصحيحة السليمة في جميع الاتجاهات التي يسلكها ..ولهذا تنشئ الجامعة عدداً من المراكز العلمية المتخصصة, فتبدأ بإنشاء مركز للوثائق والمخطوطات, ثم إنشاء مركز للغات, ذلك في عقد السبعينات.. و تتوسع كثيراً في إنشاء المراكز في عقد الثمانينات فتنشئ مركزين عام 1981 هما: الاستشارات و الخدمات الفنية و الدراسات, و الحاسبات الالكترونية, وتُنشئ مركزين آخرين عام 1982 هما الثقافي الإسلامي, والبحوث و الدراسات المائية, و تُنشئ عام 1983 أربعة مراكز هي: الدراسات الإستراتيجية, و التعليمي لتنمية القوى البشرية في الحقل الصحي , و التقنيات التعليمية , و الدراسات و الأبحاث الصوتية. وتُنشئ إضافة إلى الكليات و العمادات و المراكز مرافق عديدة يحتاجها الطلبة و المجتمع, ومن أبرزها المستشفى, و المسجد.

و توسيع الجامعة و تطويرها على هذا النحو المذهل, تم وفق مخطط هيكلي يخدم ما تهدف إليه الجامعة من صلة مع المجتمع, ومن علاقة عضوية متفاعلة بين مختلف الكليات, و من مركزية للمرافق العامة, ومن تفاعل بين الطلبة في مختلف الدراسات و النشاطات. فقد قسم ذلك المخطط الحرم الجامعي إلى ثلاثة محاور أفقية يتوسطها المحور الأكاديمي الذي يضم الكليات المختلفة موزعة في تجمعين اثنين أحدهما للعلوم الإنسانية, وثانيهما للعلوم الطبية والتطبيقية. أما المحور الأساسي فهو المحور الاجتماعي الذي يشكل نقطة الاتصال الداخلي في الجامعة, ويشكل نقطة اتصال أيضاً بين الجامعة و المجتمع, و يشمل هذا المحور مستشفى الجامعة والملاعب الرياضية والستاد الرياضي و مبنى النشاط الجامعي والمطاعم والمكتبة والإدارة والمسجد, وتتركز في المحور الخلفي منازل الطالبات والإسكان الوظيفي.

هذه هي الجامعة الأردنية التي احتفلنا بعيدها الفضي, و قد وقفت شامخة بين جامعات العالم, بعد أن وصلت ما وصلت إليه بعناية صاحب الجلالة الهاشمية الملك الحسين المعظم, وحرص مجالس أمنائها المتعاقبين وإخلاص العاملين فيها من أعضاء هيئة تدريسية وموظفين.. هؤلاء جميعاً الذين آمنوا برسالة الجامعة و أهدافها, فعملوا للحفاظ عليها ورقيها و تقدمها و تطورها لتصبح في مصاف الجامعات المتقدمة في العالم.

هذه هي الجامعة الأردنية التي نتفيأ اليوم ظلال شجرة الغار التي تنتصب عل أعلى ربوة من روابيها, وننظر حولنا فنرى انجازات خمسة وعشرين عاماً من البناء تضمنها هذا الكتاب الذي يتألف من ثمانية أبواب و خمسة و عشرين فصلاً, بدأناها بالحديث عن الجامعة منذ أن كانت فكرة, ثم تتبعنا بداياتها وخطوات إنشائها وتطورها من جميع الجوانب, حيث أفردنا باباً لموازنتها, وآخر لنظامها التدريسي كما تحدثنا عن إدارة الجامعة متتبعين كل مجلس من مجالسها: الأمناء والجامعة والعمداء, وكل رئيس من الرؤساء الذين تعاقبوا عليها, و نواب هؤلاء الرؤساء, وجميع اللجان العامة التي عملت على مستوى الجامعة ككل, ثم تحدثنا عن كليات الجامعة موضحين نشأة كل منها وتطورها وأقسامها وأسماء من تولوا إدارتها ومن عملوا بالتدريس فيها وخططها الدراسية والدرجات العلمية التي تمنحها.. ثم تناولنا بالحديث عمادات الجامعة ومراكزها العلمية والوحدات والدوائر الإدارية فيها وأسماء من تولوا إدارة كل وحدة أو دائرة.