أ.د محمد شاهين
الجامعة الأردنية تأملات في البدايات
أ.د محمد شاهين/ قسم اللغة الإنجليزية وآدابها/ كلية اللغات الأجنبية
عندما نستذكر الإمكانيات المتواضعة جداً التي كانت متوفرة لإخراج فكرة الجامعة الأردنية إلى حيز الوجود قبل ما يقرب من نصف قرن ندرك الصعوبات الجمة التي واجهت الجامعة في بداياتها. ولكن الرواد الأوائل أمثال ناصر الدين الأسد أول رئيس للجامعة ورفاق دربه وأخص بالذكر عبد الكريم الغرايبة، ومحمود السمرة، وألبرت بطرس، تحدوا الصعوبات وساروا على الدرب بخطى ثابتة أرست دعائم المسيرة الشاقة للأجيال اللاحقة. عينت معيداً بقسم اللغة الإنجليزية وآدابها بعد ما يقرب من خمسة أعوام من نشأة الجامعة ثم أرسلت في بعثة دراسية للحصول على الدكتوراه بعد أن عملت سنة بالقسم، وعدت من البعثة لألتحق بعملي في الجامعة التي لم أغادرها منذ ذلك الحين إلى أي عمل آخر.
كثيرة هي الذكريات التي تتداعى بمناسبة العيد الذهبي للجامعة الأردنية، أذكر منها كيف قام قسم اللغة الإنجليزية وآدابها باستقطاب كوكبة من الأساتذة الزائرين من الجامعات المرموقة في أمريكا وبريطانيا، إذ جَهد رئيس القسم آنذاك ألبرت بطرس في توفيرهم تمهيداً لإحلال العنصر المحلي لاحقاً. وهذا ما حصل لبقية الأقسام، إذ استطاعت الجامعة أن تجذب صفوة الأساتذة الزائرين من الجامعات العربية وخصوصاً من مصر وسوريا والعراق ليقوموا بمهمة التأسيس، وسد الحاجة.
أستذكر الجهد البالغ الذي كان رئيس الجامعة يبذله لتوفير الموارد المالية للجامعة، وأذكر على سبيل المثال أن دولة الكويت أرسلت إلى الجامعة الأردنية أحد عشر طالباً للالتحاق بها وبالمقابل تبرعت الحكومة الكويتية بإنشاء مبنى للسكن الداخلي - وهو مبنى الحاسوب حالياً- الذي ما زال قائماً. وعندما نشبت حرب 1967 لم تجد الجامعة من مكان يأوي طلبتها من الضفة الغربية الذين تقطعت بهم السبل غير ذلك المبنى.
وما زلت أذكر ألبرت بطرس وهو يحمل أوراق إجابة الامتحانات في سيارة فوكس صغيرة ليؤمن وصولها إلى الأساتذة الأجانب في بيوتهم من أجل تصحيحها قبل مغادرتهم عمان إلى أوطانهم وكنا نسير تحت أزير الطائرات الإسرائيلية، وكثيراً ما كنا نتوقف في الطريق إلى حين انتهاء الغارة ثم نواصل السير بعد ذلك.
من يصدق أن رئيس الجامعة كان يقيم مع أسرته في البيت الذي هو الآن مقر روضة الأطفال مستعيضاً به عن مخصصات بدل السكن المستحقة لرئيس الجامعة!
من يعلم أن الجامعة منذ نشأتها وهي مسجلة كجمعية خيرية لتكون في وضع يؤهلها استقطاب معونات أهل الخير وإعفائها من الضرائب! علاوة على ذلك كان رئيس الجامعة يرى أن أهم ركيزة تقوم عليها الجامعة هي استقلاليتها ومازالت آثار تصوره باقية إلى يومنا هذا.
كانت الدنيا بخير رغم شح الإمكانيات وكانت الجامعة أشبه بأسرة متحابة متآلفة تنظر إلى المستقبل بأمل وارتياح والأمل ما زال يحدوها أن تتحقق لجامعة الوطن أحلامها التي عاشت بها ولها لتتبوأ مكان الصدارة.